محمد بن جرير الطبري
581
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
مجاهد ، لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة ، وذلك قوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم " والآيات بعدها ، وقوله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد ، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة . فمعلوم بذلك أن قوله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " مدنيّ لا مكيّ ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة ، وأنّ قوله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " نظيرُ قوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " وأن معناه : فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم ، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا ، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي ، فاستحلوا منه مثله فيه . وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله : ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) [ سورة التوبة : 36 ] * * * . . . ( 1 ) على نحو ما ذكرنا ، من أنه بمعنى : المجازاة واتباع لفظٍ لفظًا ، وإن
--> ( 1 ) وضعت هذه النقط ، وفصلت بين قوله : " وقاتلوا المشركين كافة " وقوله : " على نحو ما ذكرنا " لوجود خرم لا شك فيه . فإنه سيقول بعد أسطر : " والآخر : أن يكون بمعنى العدو " . فهو بصدد تفسير قوله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ، من جهة اللغة . ولا صلة بين كلامه في الآية أهي منسوخة أم غير منسوخة . وقوله : " والآخر " دليل على أنه يذكر وجهين من تفسير " اعتدى " أهي من " العدوان " ، أم من " العدو " . وكأن كلام الطبري في موضع هذا الخرم كان : [ وأما قوله : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) . ففي " الاعتداء " وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون " الاعتداء " من " العُدْوَان " ، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا . ويكون معنى الآية : فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا ، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم ، على نحو ما ذكرنا من أنه . . ] هذا ما استظهرته من تفسير الطبري فيما سلف 2 : 307 ، وهذا الجزء 3 : 375 ، 376 ، 564 ، 573 ثم يبقى خرم قبل ذلك في كلامه عن الآية ، منسوخة هي أم غير منسوخة .